سيد محمد طنطاوي

48

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أو ليكونوا معروفين لأهل الموقف في ذلك اليوم العصيب ، أو لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الحجة من إقرار الناطق ، أو ليعلموا أن أعضاءهم التي ارتكبت المعاصي في الدنيا ، قد صارت شهودا عليهم في الآخرة . وجعل - سبحانه - ما تنطق به الأيدي كلاما ، وما تنطق به الأرجل شهادة ، لأن مباشرة المعاصي - غالبا - تكون بالأيدي ، أما الأرجل فهي حاضرة لما ارتكب بالأيدي من سيئات ، وقول الحاضر على غيره شهادة بما له ، أما قول الفاعل فهو إقرار ونطق بما فعله . قال الجمل : وقال الكرخي : أسند سبحانه فعل الختم إلى نفسه ، وأسند الكلام والشهادة إلى الأيدي والأرجل ، لئلا يكون فيه احتمال أن ذلك منهم كان جبرا ، أو قهرا . والإقرار مع الإجبار غير مقبول . فقال : تكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم ، أي باختيارها بعد إقدار اللَّه لها على الكلام ، ليكون أدل على صدور الذنب منهم « 1 » . وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات جملة من الأحاديث . التي صرحت بأن أعضاء الإنسان تشهد عليه يوم القيامة بما ارتكبه في الدنيا من سيئات . ومن تلك الأحاديث ما جاء عن أنس بن مالك - رضى اللَّه عنه - أنه قال : كنا عند النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه ، ثم قال : « أتدرون مم أضحك ؟ قلنا : اللَّه ورسوله أعلم . قال من مجادلة العبد ربه يوم القيامة . يقول : رب ألم تجرني من الظلم ؟ فيقول : بلى ، فيقول : لا أجيز علىّ إلا شاهدا من نفسي ، فيقول اللَّه - تعالى - له : كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ، وبالكرام الكاتبين شهودا . قال : فيختم على فيه ، ويقال لأركانه - أي لأعضائه - : انطقى . فتنطق بما عمله ، ثم يخلى بينه وبين الكلام ، فيقول : بعدا وسحقا فعنكن كنت أناضل « . « 2 » . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ويَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّه إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ . حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وأَبْصارُهُمْ وجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ « 3 » . ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء الكافرين هم في قبضته في كل وقت فقال : * ( ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ) * .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 522 . ( 2 ) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 572 ، وتفسير القرطبي ج 15 ص 48 . [ . . . ] ( 3 ) سورة فصلت الآية 19 ، 20 .